محمد بن محمد ابو شهبة
165
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
حمل السيدة امنة بالنبي وفي هذه الأيام المعدودة حملت السيدة الشريفة امنة بسيد هذه الأمة ، وقد ادخرها القدر لأعظم أمومة في التاريخ ، وتوالت عليها الرؤى والبشريات بجلال قدر هذا الجنين ، فرأت فيما يرى النائم حين حملت به أنه خرج منها نور أضاء الأرض ، وبدت منه قصور بصرى من أرض الشام ، فقد روى أبو نعيم في « الدلائل » وابن سعد في « الطبقات » أن امنة قالت : « رأيت كأنه خرج مني شهاب أضاءت له الأرض ، حتى رأيت قصور الشام » ، وما كانت هذه الرؤيا ومثيلاتها ليخفى تأويلها على السيدة امنة ، وهي من هي ذكاء وفطنة ، فقد فهمت أن من حملت به سيملأ الأرض نورا وضياء ، وهدى ورحمة ، وسيكون له شأن وذكر . وفاة عبد اللّه بن عبد المطلب ولم يطل المقام بالفتى الشاب عبد اللّه مع زوجته امنة بنت وهب ، فقد خرج في تجارة إلى الشام وترك الزوجة الحبيبة ، وما درى أنها علقت بالنسمة المباركة ، وقضى الزوج المكافح مدة في تصريف تجارته ، وهو يعدّ الأيام كي يعود إلى زوجته فيهنأ بها ، وتهنأ به ، وما إن فرغ حتى عاد ، وفي أوبته عرّج على أخوال أبيه عبد المطلب وهم بنو النجار بالمدينة ، فاتفق أن مرض عندهم ، فبقي وعاد رفاقه ، ووصل الركب إلى مكة ، وعلم منهم عبد المطلب بخبر مرضه ، فأرسل أكبر بنيه : الحارث ليرجع بأخيه بعد إبلاله ، وما إن وصل الحارث إلى المدينة حتى علم أن عبد اللّه مات ، ودفن بها في دار النابغة من بني النجار ، فرجع حزين النفس على فقد أخيه ، وأعلم أباه بموت الغائب الذي لا يؤوب ، وأثار النبأ الموجع الأحزان في نفس الوالد الشيخ المفجوع في فقد أحب أولاده إليه ، وألصقهم بنفسه ، وأثار الأسى والحسرة في نفس الزوجة التي كانت تحلم بأوبة الزوج الحبيب الغالي ، وتشتاق إليه اشتياق الظمآن في اليوم الصائف القائظ إلى الشراب العذب الحلو البارد ، وتبدّد ما كانت تعلّل به نفسها من سعادة وهناءة في كنف الزوج الفتى الوسيم ، والذي كان مشغلة المجتمع القرشي والعربي حينا من الزمان ، فما مثله من فتى ، وما مثله من زوج ! !